لويس شيخون وآخرين

14

مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب ( المسلمين والنصارى )

منه سببا لحفظه وداعيا إلى التحدّث به . ثم إنهم يترافقون ويتعارضون الزيارة ويتكارمون ويتعاوضون الحقوق وكل ذلك من أسباب المباراة والمباهاة والمساجلة « 1 » والمحاكاة وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم وتحريك لهممهم وتمرين لعادتهم وإذا فرغ الصبي من تعلّم القرآن وحفظ أصول اللغة نظر عند ذلك إلى ما يراد أن تكون صناعته فوجّه لطريقه . فان أراد « 2 » به الكتابة أضاف إلى دراسة اللغة دراسة الرسائل والخطب ومناقلات الناس ومحاوراتهم وما أشبه ذلك وطورح الحساب ودخل به الديوان وعني بخطه . وان أريد أخرى أخذ به فيها بعد ان يعلم مدبّر الصبي ان ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مؤاتية لكن ما شاكل طبعه وناسبه وانه لو كانت الآداب والصناعات تجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملاءمة اذن ما كان أحد غفلا من الأدب وعاريا من صناعة واذن لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف الآداب وأرفع الصناعات . ومن الدليل على ما قلنا سهولة بعض الأدب على قوم وصعوبته على آخرين ولذلك نرى واحدا من الناس تؤاتيه البلاغة وآخر يؤاتيه النحو وآخر يؤاتيه الشعر واخر يؤاتيه الخطب وآخر يؤاتيه النسب . ولهذا يقال بلاغة القلم وبلاغة الشعر . فإذا خرجت عن هذه الطبقة إلى طبقة أخرى وجدت واحدا يختار علم الحساب وآخر يختار علم الهندسة وآخر يختار علم الطب وهكذا تجد سائر الطبقات إذا افتليتها طبقة طبقة حتى تدور عليها جميعها . ولهذه الاختيارات وهذه المناسبات والمشاكلات أسباب غامضة وعلل خفيّة تدقّ عن افهام البشر وتلطف عن القياس والنظر لا يعلمها الّا اللّه جلّ ذكره وربّما نافر طباع انسان جميع الآداب والصنائع فلم يعلق منها بشيء . ومن الدليل على ذلك أن أناسا من أهل العقل راموا تأديب أولادهم واجتهدوا في ذلك وانفقوا فيه الأموال فلم يدركوا من ذلك ما حاولوا . فلذلك ينبغي لمدبّر الصبي إذا رام اختيار الصناعة ان يزن اوّلا طبع الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك فإذا اختار له احدى الصناعات تعرّف قدر ميله إليها ورغبته فيها ونظر هل جرت منه على عرفان أم لا وهل أدواته وآلاته مساعدة له عليها أم

--> ( 1 ) المفاخرة والمباراة ( 2 ) اي أستاذه ومدبّره أو أبوه